الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

67

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

اللّه لا من تقصير إبراهيم ، فإبراهيم صدّق الرؤيا إلى أن نهاه اللّه عن إكمال مثالها ، فأطلق على تصديقه أكثرها أنه صدّقها ، وجعل ذبح الكبش تأويلا لذبح الولد الواقع في الرؤيا . وجملة إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تعليل لجملة وَنادَيْناهُ لأن نداء اللّه إياه ترفيع لشأنه فكان ذلك النداء جزاء على إحسانه . وهذه الجملة يجوز أن تكون من خطاب اللّه تعالى إبراهيم ، ويجوز أن تكون معترضة بين جمل خطاب إبراهيم ، والإشارة في قوله : كَذلِكَ إلى المصدر المأخوذ من فعل صَدَّقْتَ من المصدر وهو التصديق مثل عود الضمير على المصدر المأخوذ من اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] ، أي إنا نجزي المحسنين كذلك التصديق ، أي مثل عظمة ذلك التصديق نجزي جزاء عظيما للمحسنين ، أي الكاملين في الإحسان ، أي وأنت منهم . ولما يتضمنه لفظ الجزاء من معنى المكافأة ومماثلة المجزي عليه عظم شأن الجزاء بتشبيهه بمشبه مشار إليه بإشارة البعيد المفيد بعدا اعتباريا وهو الرفعة وعظم القدر في الشرف ، فالتقدير : إنا نجزي المحسنين جزاء كذلك الإحسان الذي أحسنت به بتصديقك الرؤيا ، مكافأة على مقدار الإحسان فإنه بذل أعزّ الأشياء عليه في طاعة ربّه فبذل اللّه إليه من أحسن الخيرات التي بيده تعالى ، فالمشبه والمشبه به معقولان إذ ليس واحد منهما بمشاهد ولكنهما متخيّلان بما يتسع له التخيّل المعهود عند المحسنين مما يقتضيه اعتقادهم في وعد الصادق من جزاء القادر العظيم ، قال تعالى : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] . ولما أفاد اسم الإشارة من عظمة الجزاء أكّد الخبر ب إِنَّ لدفع توهم المبالغة ، أي هو فوق ما تعهده في العظمة وما تقدره العقول . وفهم من ذكر المحسنين أن الجزاء إحسان بمثل الإحسان فصار المعنى : إنا كذلك الإحسان العظيم الذي أحسنته نجزي المحسنين ، فهذا وعد بمراتب عظيمة من الفضل الرباني ، وتضمن وعد ابنه بإحسان مثله من جهة نوط الجزاء بالإحسان ، وقد كان إحسان الابن عظيما ببذل نفسه . وقد أكد ذلك بمضمون جملة إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ أي هذا التكليف الذي كلّفناك هو الاختبار البيّن ، أي الظاهر دلالة على مرتبة عظيمة من امتثال أمر اللّه . واستعمل لفظ البلاء مجازا في لازمه وهو الشهادة بمرتبة من لو اختبر بمثل ذلك